الجمهور الكويتي وصناعة السينما بين تحديات الواقع وآمال المستقبل
لطالما كانت السينما نافذة تعكس ثقافة الشعوب وتطلعاتها، ومع ذلك، يبدو أن السينما الكويتية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج التي تمكنها من تحقيق توازن بين توقعات الجمهور المحلي ومتطلبات السوق السينمائي. يعبر الجمهور الكويتي، المعروف بذائقته الفنية العالية، عن استياء واضح من مستوى العديد من الأفلام الكويتية التي تعرض على شاشات السينما المحلية إلا من بعض التجارب النادرة.
ويتجلى هذا الاستياء في الانتقادات المتكررة حول جودة النصوص الإخراج، ومستوى التمثيل، مما يجعل هذه الأفلام غير قادرة على منافسة الإنتاجات العربية والأجنبية التي تجذب اهتمام المشاهدين.
إحدى المشكلات الرئيسية التي يواجهها الجمهور هي أن العديد من الأفلام الكويتية تبدو كأنها مجرد مشاريع تجارية تهدف لتحقيق أرباح سريعة بدلاً من تقديم محتوى فني ذي قيمة. هذه النظرة السائدة دفعت العديد من عشاق السينما إلى النفور من متابعة الأفلام المحلية، واللجوء بدلاً من ذلك إلى الأفلام الأجنبية أو الإنتاجات العربية المميزة التي تعرض على المنصات الرقمية. وبينما يسعى بعض المنتجين لتقديم رؤى سينمائية فريدة، إلا أن غياب الهوية السينمائية الكويتية يجعل من الصعب تحقيق نجاح جماهيري واسع. هذا الغياب يجعل الإنتاجات تبدو وكأنها تجارب فردية غير منسجمة مع تطلعات الجمهور، مما يؤدي إلى عدم وجود ذائقة جمعية يمكن أن توجه الصناعة نحو النجاح.
من جهة أخرى، تعاني دور العرض في الكويت من تحديات تتعلق بعرض الأفلام الكويتية لا يزال العديد من أصحاب هذه الدور يرون أن الأفلام المحلية لا تحقق العائد المادي المطلوب، مما يجعلهم يترددون في تخصيص عروض كافية لها. ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى ضعف الإقبال الجماهيري على هذه الأفلام، وهو ما يتسبب في دورة سلبية تؤثر سلبا في السوق ككل، إضافة إلى ذلك، يشكو الجمهور من مشكلات تقنية في بعض العروض مثل ضعف جودة الصوت والصورة، ما يزيد من حالة الإحباط لدى المشاهدين.
في المقابل، نجد أن الدول ذات الصناعات السينمائية العريقة قد نجحت في تكوين هوية سينمائية واضحة تعكس ثقافتها وقيمها، مما أسهم في بناء قاعدة جماهيرية واسعة تؤمن بجودة هذه الأفلام وتترقبها بشغف. هذه الهوية لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل جاءت نتيجة سنوات من العمل المنهجي القائم على دراسة ذائقة الجمهور واحتياجات السوق. في حين أن الكويت، رغم امتلاكها طاقات إبداعية هائلة، لم تتمكن بعد من وضع هذه الرؤية الطويلة الأمد. وهذا ما يجعل المنتجين يعتمدون غالبا على رؤيتهم الشخصية في إنتاج الأفلام، مما يجعل التفاوت في الجودة والتوجه واضحا للغاية.
بالرغم من هذا الواقع، تبقى الآمال قائمة في تحسين أوضاع السوق السينمائي في الكويت. الخطوة الأولى نحو التغيير تبدأ بتكوين هوية سينمائية واضحة تعكس ثقافة المجتمع الكويتي وتطلعاته. يمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع الإنتاجات السينمائية التي تستند إلى دراسات ميدانية وأرقام دقيقة حول ما يريده الجمهور، كما يجب إعادة بناء جسور الثقة بين الجمهور وصناع السينما، من خلال تقديم أعمال متقنة تلبي تطلعات المشاهدين. وهذا يتطلب تعاونا وثيقا بين المخرجين، المنتجين ودور العرض للعمل على تحسين جودة الأفلام وتوفير تجربة مشاهدة مميزة.
وفي ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها الأفلام الأجنبية والعربية، إلى جانب المنصات الرقمية التي أصبحت تجذب شريحة كبرى من عشاق السينما، يجب على السينما الكويتية أن تجد لنفسها مكانا مميزا. يمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم قصص مبتكرة ذات صبغة محلية تعكس روح الكويت، ولكنها في الوقت ذاته تحمل عناصر جذب عالمية. ومع الوقت، يمكن لهذه الجهود أن تسهم في بناء صناعة سينمائية قوية ومستدامة، تجعل الكويت واحدة من الوجهات البارزة في عالم السينما.